مصطفى صادق الرافعي

120

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

متربّصون به حالة من تلك الأحوال ، فإذا هو قبيل غير قبيل الكلام ، وطبع غير طبع الأجسام ؛ وديباجة كالسماء في استوائها : لا وهي ولا صدع ، وإذا عصمة قوية ، وجمرة متوقدة ، وأمر فوق الأمر وكلام يحاورن فيه بدءا وعاقبة . وقد كان من عادتهم أن يتحدى بعضهم بعضا في المساجلة والمقارضة بالقصيد والخطب ، ثقة منهم بقوة الطبع ، ولأن ذلك مذهب من مفاخرهم ، يستعلون به ويذيع لهم حسن الذكر وعلو الكلمة ؛ وهم مجبولون عليه فطرة . ولهم فيه المواقف والمقامات في أسواقهم ومجامعهم ، فتحداهم القرآن في آيات كثيرة أن يأتوا بمثله أو بعضه ، وسلك إلى ذلك طريقا كأنها قضية من قضايا المنطق التاريخي ، فإن حكمة هذا التحدي وذكره في القرآن ، إنما هي أن يشهد التاريخ في كل عصر بعجز العرب عنه وهم الخطباء اللدّ والفصحاء اللسن ، وهم كانوا في العهد الذي لم يكن للغتهم خير منه ولا خير منهم في الطبع والقوة ، فكانوا مظنة المعارضة والقدرة عليها - حتى لا يجيء بعد ذلك فيما يجيء من الزمن ، مولد أو أعجمي أو كاذب أو منافق أو ذو غفلة ، فيزعم أن العرب كانوا قادرين على مثله ، وأنه غير معجز ، وأن عسى أن لا يعجز عنه إلا الضعيف وباللّه من سموّ هذه الحكمة وبراعة هذه السياسة التاريخية لأهل الدهر « 1 » . أما الطريقة التي سلكها إلى ذلك ، فهي أن التحدي كان مقصورا على طلب المعارضة بمثل القرآن ، ثم بعشر سور مثله مفتريات لا يلتزمون فيها الحكمة ولا الحقيقة ، وليس إلا النظم والأسلوب ، وهم أهل اللّه ولن تضيق أساطيرهم وعلوهم أن ستعها عشر سور . . . ثم قرن التحدي بالتأنيب والتقريع ، ثم استفزّهم بعد ذلك جملة واحدة كما ينفج الرّماد الهامد ، فقال : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ فقطع لهم أنهم لن يفعلوا ، وهي كلمة يستحيل أن تكون إلا من اللّه ، ولا يقولها عربي في العرب أبدا ، وقد سمعوها واستقرت فيهم ودارت على الألسنة ، وعرفوا أنها تنفي عنهم الدهر نفيا وتعجزهم آخر الأبد فما فعلوا ولا طمعوا قط أن يفعلوا « 2 » . وطارت الآية بعزهم وأسجلته عليهم ووسمتهم على

--> ( 1 ) لورود التحدي في القرآن حكمة أخرى عجيبة . وقد أمسكنا عنها ، إذ يقتضيها موضع آخر سيمر بك ، ولن تسمى المعجزة معجزة إذا وقع بها التحدي بديئا . فإن هذا التحدي ميزان ينصب بين القدرة والعجز . ولا تستطيع أن تقول هذا معجز إلا إذا تحديث الناس به فعجزوا عنه . ( 2 ) تأمل نظم الآية تجد عجبا ، فقد بالغ في اهتياجهم واستفزازهم ليثبت أن القدرة فيهم على المعارضة كقدرة الميت على أعمال الحياة : لن تكون ولن تقع ! فقال لهم : لن تفعلوا ، أي هذا منكم فوق القوة وفوق الحيلة وفوق الاستعانة وفوق الزمن ، ثم جعلهم وقودا ، ثم قرنهم إلى الحجارة ، ثم سماهم كافرين ، فلو أن فيهم قوة بعد ذلك لانفجرت . ولكن الرماد غير النار . . .